الاثنين 05 جمادى الأولى 1439  الموافق  22/01/2018 

مقال الدكتور احمد هارون

لماذا نرفض وننبذ (كأسرة) إبننا المدمن؟ تساؤلات لا يجب أن نهملها

لماذا نرفض وننبذ (كأسرة) إبننا المدمن؟ تساؤلات لا يجب أن نهملها


ما الذي يجعل الآخرين يرفضوننا (الرفض الوالدي):
الأسرة هي الأساس في اكتساب الفرد عادات وتقاليد المجتمع .ورغم تقلص دور الأسرة في المجتمعات الحديثة نظرا لوجود العديد من المؤسسات التي أصبحت تقوم بأدوار الأسرة من قبيل دور الحضانة والمدارس ووسائل الإعلام وغيرها إلا أن هذه المؤسسات لا يصل وجودها إلى درجة إلغاء دور الأسرة.
ويعد الأب النموذج أو المثل الأعلى الذي يحتذى به الولد ، وكذا الأم بالنسبة للبنت (بغض النظر عن عقدة أوديب وإليكترا ومشكلة التوحد identification مع النموذج الوالدي – كما قال بها فرويد وأنصاره).
ووجود فرد مدمن في أسرة ما هو إلا ترمومتر أو مؤشر صادق لوجود خلل أو عدم وجود خلل بصورة حادة في هذه الأسرة . ولذا فأن (بعض) الأسـر تسارع إلى رفـض ابنها (المدمن) وإلقاءه في مصحة أو سجن وعدم الاهتمام به لدرجة تصل إلى تجاهله تماما أو التبرء منه.
صحيح أن أسرة المدمن حين يلقاها أي عضو من أعضاء الفريق العلاجي للإدمان تأخذ في إيراد العديد من المبررات محاولة نفي (التهمة) عنها إلا أننا حين نضع يدنا على موطن الداء الذي قاد "الشخص" إلى هوة الإدمان نجد أن الغالبية تذكر أن : الإهمال الأسري أو التدليل الزائد أو إشباع كافة مطالب الفرد (دون تعويده على درجة من الإحباط!) أو عدم الرقابة أو التضارب في التربية أو الطلاق الأسري (البدني والنفسي – والمعنى واضح)... كل هذة العوامل وغيرها تمهد التربة الخصبة لنمو مرض الإدمان.
كما أن العلاج الحديث للإدمان يقتضي أن تعي الأسر طبيعة الإدمان وأن هناك علاجا نفسيا يسمى "العلاج الأسري" وأن على الأسرة أن تتعلم كيف تتعامل مع ابنها المدمن. إلا أن العديد من الأسر ترفض (بطريقة شعورية وكثيراً لا شعورية) فكرة المشاركة مع الفريق العلاجي (فالابن هو المدمن ولسنا نحن!).
ومن هنا تلجأ العديد من الأسر إلى رفض ابنها المدمن (طالما سيدخلها في متاهات مع الآخرين). ولا شك أن الرفض هذا من جانب الأسرة لعضوها المدمن يكون شعورا جد مؤلم بالنسبة للمدمن وقد يدفعه إلى الإنتكاس.
ما الذي يجعل الآخرين ينبذوننا (النبذ العام المجتمعي)؟
لعل العقبة الثانية التي يواجهها المدمن هو كيفية مواجهته لنبذ المجتمع له (بعد أن أصيب في مقتل برفض الوالدين – خاصة – له). ولعل سعي الفرد لأن يكون موضع حب وتقدير من قبل الآخرين (هذه حاجة لا خلاف عليها). إلا أن بعض الأفراد في كل المجتمعات كانوا موضع استهجان من قبل الآخرين وفقا للعديد من المعايير. فالفرد الذي يسرق أو يزني أو يقتل أو ينصب لا شك أنه يكون موضع استهجان وسخط من قبل الجمهرة والغالبية من أفرد المجتمع.
كما أن النظرة الإجماعية والأخلاقية للإدمان وللمدمن لم تتغير .فالمدمن وفقا للنظرة العامة ما هو إلا شخص "مجرم "وليس "مريض" يستحق الرعاية والاهتمام. ولعل القراءة المتأنية في التراث السيكولوجي لنظرة المجتمعات إلي المرضي العقليين (المرض النفسي والعقلي) ترينا كم احتاجت البشرية إلي الكثير من العقود والخبرات المخلصة حتى نال أخيرا (وأن لن يكون بدرجة كافية المرضي النفسيين والعقلين التقدير اللازم).


ومن هنا فإن نبذ الآخرين للمدمن ينبع من:
1- إن المدمن غير ملتزم بالمعاير NOORM.
2- غير ملتزم بمبادىء الدين القويم.
3- أن الإدمان دمار للنفس والجسم (بالنسبة للمدمن).
4- إن الادمان للآخرين (خاصة الأسرة).
5- أن المدمن لا يثق الآخرين فيه ولذا فأنه لايشارك في برامج التنمية ويتحول من طاقة مبدعة خلاقة (قبل أن يدمن) إلي شخص أقرب إلي الحطام يثير الآسي والفزع لكل الآخرين.
ولذا فأن الدول التي تقدر قيمة الفرد ترصد العقول و الأموال لدراسة ظاهرة الإدمان والحفاظ علي اغلي ما يمتلكه أي مجتمع آلا وهم الشباب، نصف الحضار وكل المستقبل.
ومن خلال تعاملي مع المدمنين وجدت أن أكبر مشكلة تواجه المدمن فعلا عقب خروجه من المستشفي هو كيفية التعامل مع (رفض الأسرة ونبذ المجتمع الكبير له). ولاشك أن شعور الرفض/النبذ شعورا مؤلما، ولاخلاف علي ذلك.

كيف يواجة المدمن مشاعر الرفض والنبذ؟
من أهم مشاكل المدمن استخدامه للعديد من الميكانيزمات الدفاعية والتي تعوق استبصار المريض بمأساته وعلي المدمن لكي يواجه هذه المشكلة "الرفض/ النبذ" أن يعي الحقائق الآتية:
1- أنه هو السبب في الإدمان وليس الآخرين.
2- أنه هو الذي تغير ودمر نفسه بل ودمر معه الآخرين.
3- أنه قد خان الثقة التي منحها له الآخرون ( خاصة الأسرة/العمل ).
4- أنه سبب آلا ما نفسية واجتماعية وقد تكون جسدية _ للآخرين خاصة أفراد ا سرته .
5- وليعلم المدمن – أخيرا- أن الآخرين إذا كانوا قد منحو الثقة لفترة طويلة من الوقت فانهم أيضا لم يكتشفوا إدمانه ال بعد فترة طويلة (قد تصل إلي سنوات ) وفي هذه الفترة كم كذب وكم سرق وكم برر العديد من الأخطاء ، وكم استغل جهل الأخرين لاشك انه يحتاج إلي المزيد من الوقت .
والأهم أن يثق المريض في نفسه أولا وأن يعلم أن يحول هذه الشعارات إلي واقع تطبيقي فعلي .وأخيرا فأن العلاج الحقيقي للأدمان – ومشاكله –لابد أن ينبع من رغبة الفرد الصادق وأن ينظر إلي داخله وسوف يجد الأمل والأرادة مازالتا في داخله .وليتوكل علي الله –قبل كل شي وليستفز كل قدراته الكامنة.

الوصايا العشر التي على المدمن المتعافى إتباعها عند تعرضه لإحتمال الانتكاس:
1- الإيمان والصلاة:
إن الإيمان وإتباع شعائر الدين وصلاة الجماعة وحضور الندوات الدينية من وسائل الدعم الأساسية التي تساعد على مواجهة الانتكاس وإبعاد شبحه المخرب عن نفسه.
2- مقاومة الوحدة بنشاط:
إن الوحدة سم زعاف يقتل التعافي، والانضمام إلى جماعة المدمنين المجهولين والأصدقاء والأصحاء والصلاة في المسجد تجنب المدمن هذا الخطر. وعلى المدمن أن يفرق بين الخلوة وبين الوحدة –فالخلوة اختيار إيجابي يلبي حاجة كل إنسان إلى الخصوصية– أما الوحدة حالة سلبية تمزق وشائج الصلة بين الفرد ومجتمعه. فالتعافي يعتمد في المقام الأول والأخير على الشخص نفسه، إذ عليه أن يتحمل مسئولية تكوين علاقات اجتماعية لها وزنها ومثيرة لاهتمامه.
3- الحذر من أقنعة الإنكار:
إن من الحيل التي يظهر بها الإنكار أن يخص المدمن مادة واحدة بأنها تسبب الإدمان، ويجيز لنفسه استخدام مادة أخرى لا يقل ضررها عن الأولى قائلاً بأنها أقل خطورة ، فيترك الخمر ليتعاطى المنومات وهكذا.
4- استغلال الإرشاد الأسري:
لقد صدق من قال إن إدمان الخمر والمخدرات هو إدمان الأسرة، لأن الإدمان يهز كيان الحياة الأسرية ويترك فيها جراحاً غائرة لا تلتئم إلا بصعوبة وبعد وقت طويل. فكل فرد من أفراد الأسرة يعاني من خبرة المدمن حتى لو لم يكن مدمناً ويحتاج إلى مساعدة خلال عودة المدمن إلى التعافي ، كما يحتاج أفراد الأسرة إلى بذل جهد لا يقل عن الجهد الذي يبذله المدمن.
إن مواجهة المشاكل الأسرية وحلها من الأمور الجوهرية في علاج المدمنين وعلى المعالجين بتبصير الأسرة بأن المدمن ليس الوحيد المحتاج إلى علاج.
5- اكتشاف أهداف في الحياة ، في العمل أو غيره والسعي لتحقيقها:
إن التوقعات الخاصة بالعمل كثيراً ما تسبب الخلط والتشويش لأنها تشمل كماً كبيراً من الحاجات بدءاً بإدراك الهوية الذاتية وإنتهاءاً بضرورة كسب المال، وهذه كلها توقعات شخصية لذلك على المدمن التائب أن يدرك بوضوح الهدف من قيامه بالعمل أو بالوظيفة وأن يدرك كل ذلك بصورة واقعية، لأن عدم الوضوح يولد السخط ، ويولد الانتكاس.
6- تعلم الوسائل التي تساعد على تخفيف الضغوط النفسية:
على المدمن المتعافي أن يتعلم الوسائل الخلاقة للتعامل مع الضغوط النفسية التي لم ولن تخلو منها الحياة بدلاً من محاولة التخلص منها لأن تراكم الضغوط يفجر الانتكاس. ومن أفضل وسائل تخفيف الضغوط التحدث عنها للشخص المناسب وفي المكان المناسب. كما أن تعلم وسائل الاتصال بالآخرين بصورة أفضل فكرة طيبة للعمل في هذا الاتجاه، ويخطئ الكثير إذ يعتقدون أن على أصدقائهم وأسرهم الإحساس بحاجاتهم دون أن يفحصوا عنها بشكل واضح. فالأسرة والأصدقاء لا يقرأون الأفكار وإذا لم يعبر الفرد عن حاجته فليس ثمة وسيلة يدركونها بها.
إن النشاط البدني من وسائل تخفيف الضغوط ، وكذلك الألعاب البناءة والهوايات المختلفة و فنيات التنفس و الاسترخاء ، وكل هذه الوسائل تحتاج إلى الانضباط وتوفير الوقت علماً بأن الجهد المبذول لتحقيقها ليس ضائعاً. وعلى كل مدمن تائب أن يكتشف الوسيلة التي تناسبه ويتطلب البحث عن الوسيلة الجسدية في السعي.
7- عند الخوف من الانتكاس ليتحدث الشخص مع صديق أمين:
إن الإفصاح عن هذه المخاوف خير دواء لها وإخفاؤها يسرع بالانتكاس.
8- إذا كان المدمن المتعافي الآن عضواً في جماعة المدمنين المجهولين:
فليقلع عن هذه الجماعة الغير علاجية.
9- ليتعلم المدمن المتعافي الآن كيفية التعامل مع الغضب:
الغضب والاكتئاب جزءان من حياتنا اليومية ومواجهتهما تتم بطريقتين:
أولاً: التعرف على أسباب الغضب والاكتئاب.
ثانياً: التعامل مع هذه الأسباب، إن معظم وسائل تخفيض التوتر التي سبق ذكرها تخفف الغضب والاكتئاب، ولا ينتظر الفرد أن يسعى الناس إليه، وإذا أراد تعلم هذه الوسائل فليطلب ذلك من المعالجين.
10- الحرص على عدم الإفراط في الطعام أو استعمال المنبهات:
إن الإفراط في استخدام الحلويات والقهوة والشاي والسجائر يساعد على الانتكاس لما يسببه من قلق وتوتر.


ماذا نفعل لكي نتغلب على مرضنا (مرض الإدمان):
لكي نستطيع أن نقف أمام مرضنا بكل ثقة واقتدار علينا أن نأخذ في اعتبارنا هذه الجوانب:
أ- الجانب الديني:
1- الاعتماد على الله سبحانه وتعالى وتسليم الأمر إليه وطلب المساعدة منه.
2- زيادة الاتصال بالله سبحانه وتعالى عن طريق وضع برنامج أو خطة دينية يجب التقيد بها بقدر المستطاع (كالصلاة، قراءة القرآن، الدعاء... الخ ).
ب- الجانب النفسي:
1- علينا أن نتعرف على أنفسنا أكثر.
2- علينا أن نتعرف على كل الأسباب التي أوصلتنا لما نحن فيه.
3- علينا أن نواجه أنفسنا بكل صراحة وصدق وموضوعية.
4- علينا أن نجد من نثق به ليتحدث عن مشاعرنا ومشاكلنا بكل حرية.
5- علينا أن نثق في أنفسنا وقدراتنا.
6- علينا أن نضع لنا أهدافا في الحياة نسعى لتحقيقها.
7- علينا أن لا نجعل اليأس يسيطر على مجريات حياتنا.
ج- الجانب الأسري:
1- حاول أن تشعر أسرتك أنك إنسان جديد ولا تتوقع منهم أن يصدقونك من المرة الأولى أو حتى الرابعة.
2- ابتعد بقدر المستطاع عن جميع الأشياء التي قد تؤدي إلى التصادم مع الأسرة.
3- أعمل كل ما تستطيع لترضي عنك أسرتك مثل تلبية احتياجات الأسرة.
4- شارك أفراد الأسرة وبفعالية في جميع المناسبات.
5- تحدث وناقش مشاكلك مع أسرتك وبكل هدوء وثقة ، وحاول أن تفهم أسرتك حقيقة مرضك.
د- الجانب الاجتماعي:
1- شارك المجتمع أفراحه وأحزانه.
2- حاول وضع نفسك متهيأ ومستعدا لأسوأ احتمال يمكن أن تتعرض له في حياتك اليومية أو في المستقبل.
3- لا تضخم الأمور أكثر من حجمها بل كن واقعيا ومتفائلا.
4- عند إقدامك على عمل ما أو إصدار قرار ما استشر من تثق فيه.
5- لا تجعل للفراغ أي مكان في حياتك.

كيف تتعامل مع الهاجس ( الشوق للمخدر )؟
1- عند ورود الهاجس (الشوق) علينا أولا أن نشغل أنفسنا بأي فكرة أخرى أو عمل آخر وإذا لم تستطع أن تتغلب على هذا الهاجس علينا أن نتذكر أن المخدر لن يحل مشاكلنا بل سيعقدها وأنه سبب جميع المشاكل التي نعاني منها.
وإذا انتابنا الخوف والقلق من الرجوع إلى المخدر بادر بالاتصال فوراً بأحد الأصدقاء المتعافين وطلب المساعدة وإذا لم تتمكن فلا تتردد في مراجعة الرعاية اللاحقة.
2- علينا أن نبتعد عن كل ما له صلة بالمخدر.
3- علينا أن نكرر دائما رغبتنا وعزمنا في ترك المخدر بشكل يومي.
4- علينا أن نعيش يومنا وكأنه اليوم الأخير في حياتنا.

 مقالات أخري